وحقيقة التوبة
أ- أن يقلع عن المعصية.
ب- أن يندم على فعلها.
ج- أن يعزم ألا يعود إليها أبدًا، فإن فقد أحد الثلاثة لم تصح توبته، وإن كانت المعصية تتعلق بآدمي فشروطها أربعة:
هذه الثلاثة، وأن يبرأ من حق صاحبها، فإن كانت مالاً أو نحوه رده إليه، وإن كانت حدّ قذف ونحوه مكنه منه أو طلب عفوه، وإن كان غيبة استحله منها، ويجب أن يتوب من جميع الذنوب فإن تاب من بعضها صحت توبته عند أهل الحق من ذلك الذنب وبقي عليه الباقي. وقد تظاهرت دلائل الكتاب والسنة وإجماع الأمة على وجوب التوبة.
قال الشيخ ابن باز رحمه الله: وإن كان عنده للناس مظالم أو مال أو عرض ردها إليهم أو تحللهم منها قبل سفره وذلك لحديث أبي هريرة في البخاري: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : “من كانت له مظلمة لأخيه من عرضه أوشيء فليتحلله منه اليوم قبل أن لا يكون دينار ولا درهم، إن كان له عمل صالح أخذ منه بقدر مظلمته وإن لم تكن حسنات أخذ من سيئات صاحبه فحمل عليه”.
رابعًا: ينبغي أن ينتخب لحجه وعمرته نفقة طيبة من مال حلال، وذلك لحديث أبي هريرة الذي أخرجه مسلم في صحيحه: قال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم : “إن الله تعالى طيب لا يقبل إلا طيبًا، وإن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين، فقال تعالى: يا أيها الذين آمنوا كلوا من طيبات ما رزقناكم
، ثم ذكر الرجل يطيل السفر أشعث أغبر يمد يديه إلى السماء: يا رب، يا رب، ومطعمه حرام، ومشربه حرام وملبسه حرام وغُذِّي بالحرام فأنَّ يستجاب له”.
خامسًا: ينبغي للحاج الاستغناء عما في أيدي الناس والتعفف عن سؤالهم، وذلك لحديث أبي سعيد سعد بن مالك بن سنان الخدري رضي الله عنه الثابت في الصحيحين: حيث قال عليه الصلاة والسلام: “ومن يستعفف يعفه عفه الله، ومن يستغن يُغْنه الله، ومن يتصبر يصبِّره الله”. وقوله صلى الله عليه وسلم : “لا يزال الرجل يسأل الناس حتى يأتي يوم القيامة وليس في وجهه مزعة لحم”.
سادسًا: يجب على الحاج أن يقصد بحجه وعمرته وجه الله والدار الآخرة والتقرب إلى الله بما يرضيه من الأقوال والأعمال في تلك المواضع الشريفة ويحذر كل الحذر من أن يقصد بحجه الدنيا وحطامها، أو الرياء والسمعة والمفاخرة بذلك، فإن ذلك من أقبح المقاصد وسبب لحبوط العمل وعدم قبوله، كما قال تعالى: من كان يريد الحياة الدنيا وزينتها نوف إليهم أعمالهم فيها وهم فيها لا يبخسون (15) أولئك الذين ليس لهم في الآخرة إلا النار وحبط ما صنعوا فيها وباطل ما كانوا يعملون
{هود: 15، 16}، وقال تعالى:
من كان يريد العاجلة عجلنا له فيها ما نشاء لمن نريد ثم جعلنا له جهنم يصلاها مذموما مدحورا (18) ومن أراد الآخرة وسعى لها سعيها وهو مؤمن فأولئك كان سعيهم مشكورا
{الإسراء: 18، 19}، وثبت في صحيح مسلم من حديث أبي هريرة قال صلى الله عليه وسلم فيما يرويه رب العزة عز وجل: “أنا أغنى الشركاء عن الشرك من عمل عملاً أشرك معي فيه غيري تركته وشركه”.
سابعًا: ينبغي له أيضًا أن يصحب في سفره الأخيار من أهل الطاعة والتقوى والفقه في الدين ويحذر من صحبة السفهاء والفساق وذلك لقوله تعالى: الأخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدو إلا المتقين
{الزخرف: 67}.
ولحديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه الثابت عند أبي داود، حيث قال صلى الله عليه وسلم : “لا تصاحب إلا مؤمنًا ولا يأكل طعامك إلا تقي”، ولحديث أبي هريرة قال صلى الله عليه وسلم : “الرجل على دين خليله فلينظر أحدكم من يخالل”.
ثامنًا: ينبغي له أن يتعلم ما يشرع له في حجه وعمرته ويتفقه في ذلك ويسأل عما أشكل عليه ليكون على بصيرة؛ وذلك لقوله عز وجل: وقل رب زدني علما
{طه: 114}، وقال تعالى:
قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون
{الزمر: 9}
وقال تعالى: يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات
{المجادلة: 11}، وقال تعالى:
إنما يخشى الله من عباده العلماء
{فاطر: 28}.
وفي الصحيحين من حديث معاوية رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “من يرد الله به خيرًا يفقه في الدين”.
وحديث ابن مسعود رضي الله عنه في الصحيحين حيث قال عليه الصلاة والسلام: “لا حسد إلا في اثنتين: رجل آتاه الله مالاً فسلطه على هلكته في الحق، ورجل آتاه الله الحكمة فهو يقضي بها ويعلمها”.
تاسعًا: ينبغي أن يلتزم بما هو مستحب في سفره كما ثبت من حديث ابن عمر: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا استوى على بعيره خارجًا إلى سفره، كبَّر ثلاثًا، ثم قال: سبحان الذي سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين، وإنا إلى ربنا لمنقلبون، اللهم إنا نسألك في سفرنا هذا البر والتقوى، ومن العمل ما ترضى، اللهم هون علينا سفرنا هذا واطوِعَنَّا بُعْده، اللهم أنت الصاحب في السفر، والخليفة في الأهل، اللهم إني أعوذ بك من وعثاء السفر، وكآبة المنظر- أي وأن أنظر ما يسوءني في الأهل والمال أي كموت ومرض وتلف- وسوء المنقلب في الأهل والمال والولد وإذا رجع قالهن وزاد فيهن: “آيبون تائبون عابدون لربنا حامدون”.
تنبيه: معنى “مقرنين”: مطيعين. “الوعثاء” هي الشدة، الكآبة: هي تغير النفس من حزن ونحوه. المنقلب: المرجع.
عاشرًا: ويكثر في سفره من الذكر، وذلك لقوله تعالى: ولذكر الله أكبر
{العنكبوت: 45}، والمعنى: أي ذكر العبد ربه أفضل من كل شيء.
ولقوله تعالى: فاذكروني أذكركم
{البقرة: 152}، ولقوله تعالى:
يا أيها الذين آمنوا اذكروا الله ذكرا كثيرا (41) وسبحوه بكرة وأصيلا
{الأحزاب: 41، 42}.
ولحديث أبي هريرة الثابت في الصحيحين حيث قال عليه الصلاة والسلام: “كلمتان خفيفتان على اللسان، ثقيلتان في الميزان، حبيبتان إلى الرحمن، سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم”.
وحديث أبي هريرة رضي الله عنه في مسلم: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : “لأن أقول سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، أحب إليَّ مما طلعت عليه الشمس”.
ويكثر في سفره أيضًا من الاستغفار؛ لقوله تعالى: واستغفر لذنبك وللمؤمنين والمؤمنات
{محمد: 19}، ولقوله تعالى:
والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم ومن يغفر الذنوب إلا الله ولم يصروا على ما فعلوا وهم يعلمون
{آل عمران: 135}.
ولحديث شداد بن أوس رضي الله عنه: عن النبي صلى الله عليه وسلم : “سيد الاستغفار أن يقول العبد: اللهم أنت ربي لا إله إلا أنت خلقتني وأنا عبدك، وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت أعوذ بك من شر ما صنعت، أبوء لك بنعمتك عليّ، وأبوء بذنبي فاغفر لي فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت، من قالها من النهار موقنا بها، فمات من يومه قبل أن يمسي، فهو من أهل الجنة، ومن قالها من الليل وهو موقنٌ بها فمات قبل أن يصبح فهو من أهل الجنة”.
ويكثر في سفره من دعاء الله لقوله عز وجل: وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان فليستجيبوا لي وليؤمنوا بي لعلهم يرشدون
{البقرة: 186}، وكذلك أيضًا يكثر في سفره من التضرع لله سبحانه وتعالى لقوله عز وجل:
وقال ربكم ادعوني أستجب لكم إن الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهنم داخرين
{غافر: 60}.
ويكثر في سفره أيضًا من قراءة القرآن وتدبر معانيه: وذلك لقوله تعالى: ورتل القرآن ترتيلا
{المزمل: 4}، ولحديث أبي أمامة رضي الله عنه في مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “اقرؤوا القرآن فإنه يأتي يوم القيامة شفيعًا لأصحابه”، وحديث النواس بن سمعان في مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “يؤتى يوم القيامة بالقرآن وأهله الذين كانوا يعملون به في الدنيا تقدمه سورة البقرة وآل عمران تحاجان عن صاحبهما”.
وأما تدبر معانيه فلقوله عز وجل: أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها
{محمد:24}.
حادي عشر: ويحافظ على الصلوات الخمس في جماعة؛ لقوله عز وجل: حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وقوموا لله قانتين
{البقرة: 238}، ولحديث أبي هريرة رضي الله عنه في الصحيحين: قال صلى الله عليه وسلم : “أرأيتم لو أن نهرًا بباب أحدكم يغتسل منه كل يوم خمس مرات، هل يبقى من درنه شيء؟” قالوا: لا يبقى من درنه شيء، قال: “فذلك مثل الصلوات الخمس، يمحو الله بهن الخطايا”.
وأما جماعة فلحديث ابن عمر رضي الله عنهما في الصحيحين أن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم قال: “صلاة الجماعة أفضل من صلاة الفذ بسبع وعشرين درجة”.
ثاني عشر: ويحفظ لسانه عن القيل والقال؛ لقوله عز وجل: ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد
{ق: 18}، ولحديث أبي هريرة في مسلم برقم (1715) قال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم : “إن الله تعالى يرضى لكم ثلاثًا، ويكره لكم ثلاثًا: فيرضى لكم أن تعبدوه ولا تشركوا به، وأن تعتصموا بحبل الله جميعًا ولا تفرقوا، ويكره لكم قيل وقال، وكثرة السؤال، وإضاعة المال”.
ويحفظ لسانه عن الخوض فيما لا يعنيه لحديث أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “من حُسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه”.
ويحفظ لسانه عن الإفراط في المزاح:
لحديث أبي أمامة الباهلي رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : “أنا زعيم بيت في ربض الجنة ( أدناها وربض المدينة ما حولها) لمن ترك المراء ( الجدال) وإن كان محقًا، وببيت في وسط الجنة لمن ترك الكذب وإن كان مازحًا، وبيت في أعلى الجنة لمن حسن خلقه”. والله ولي التوفيق.
عمر الحنبلي
www.moze3.com
انتشر في الآونة الأخيرة خروج كثير من الدعاة على شاشات الفضائيات يهرفون بما لا يعرفون ويطلقون بألسنتهم فتاوى ذات البلاوى وللأسف الشديد تــفـــرد
لهم الساعات الطوال بدعوى حرية التعبير وعرض الرأي والرأي الآخر.
ففي الوقت الذي نؤمن فيه بحديث النبي صلى الله عليه وسلم «لأن يطعن في رأس أحدكم بمخيط من حديد خير له من أن يمس امرأة لا تحل له».
قلت: لا شك أنّ مس الرجل للمرأة الأجنبية من أسباب الفتنة وثوران الشهوات والوقوع في الحرام، إلاّ أنّنا فوجئنا ببرنامج عبر فضائية مـــا يستضيفون رجلا جاوز السبعين من عمره ويطلقون عليه “المفكر الإسلامي” ليخرج علينا بفتوى.. “عفوا أقصدببلوى جديدة” يـبـيح فيها للشباب والفتيات غير المتزوجين تبادل القبلات نظرا أنّها على حد زعمه تندرج تحت إطار الذنوب الصغرى التي تمحوها الحسنات ويستدل هذا المخرف بالآية الكريمة {لاَ يُكَلِّفُ اللّهُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا} [سورة البقرة: من الآية 286]، ويقول: “ليس كل محرم من الضروري أن لا يفعله الإنسان وطالما أنّ النية سليمة والقلب نظيف فلا بأس”. أ.هـ
قلت: لا أدري أين ذهب عقل الرجل وهو يقول لا بأس بهذا طالما أنّ النية سليمة والقلب نظيف أولا يعلم أنّ صاحب أطهر قلب وأعــف نفس رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يمس امــرأة أجنبية قط، حتى في بيعة النساء لم يبايعهن كفا بكف كالرجال وإنّما بايعهن كلاما كما روت أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها زوج النبي صلى الله عليه وسلم “أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يمتحن من هاجر إليه من المؤمنات بهذه الآية فيقول الله: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَن لَّا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئاً وَلَا يَسْرِقْنَ وَلَا يَزْنِينَ وَلَا يَقْتُلْنَ أَوْلَادَهُنَّ وَلَا يَأْتِينَ بِبُهْتَانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ وَلَا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ فَبَايِعْهُنَّ وَاسْتَغْفِرْ لَهُنَّ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} [سورة الممتحنة: 12].قــالت عائشة رضي الله عنها فمن أقر بهذا الشرط من المؤمنات قال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم «قد بايعتك» كلاما ولا والله ما مست يده يد امرأة قط في المبايعة وما يبايعهن إلا بقوله «قد بايعتك على ذلك»” [رواه البخاري].
قلت: هذا كلام النبي صلى الله عليه وسلم فمن أين تستدل يا من تجاوزت السبعين من عمرك بقولك هذا.
الطامة الثانية:
فوجئنا بداعية من الدعاة يجلس على الهواء مباشرة يــعزف على آلة موسيقية وبجواره مغنية ويقول مبتدئا الحلقة: “أعجب من هؤلاء الدعاة المتشددين الذين ضيقوا على النّاس كل شيء كيف يحرمون الموسيقى تحريما مطلقا”. ويقول هذا المفتون بنفسه: “أنا لا أتصور حياتي دون سماع موسيقى، فأنا عندما أكون متعب الأعصاب أذهب لحجرتي الخاصة وأستمع لكوكب الشرق الست الفاضلة أم كلثوم فبصوتها وفصاحة لسانها تهدئ أعصابي”. أ.هــ
قلت: أعجب من كلامك أيّها الرجل كيف تهدئ النفس بالموسيقى وهي في الأصل إتلاف للقلب وإشغال للنفوس عن الحق واثبات للنفاق في القلب.
قــال شيخنا العلامة بن باز رحمه الله: “الموسيقى وغيرها من آلات اللهو كلها شر وبلاء، ولكنها مما يزين الشيطان التلذذ والدعوة إليه حتى يشغل النفوس عن الحق بالباطل وحتى يلهيها عما أحب الله إلى ما كره الله وحرم.. فالموسيقى والعود وسائر أنواع الملاهي كلها منكر ولا يجوز الاستماع إليها وقد صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنّه قال: «ليكونن من أمتي أقوام يستحلون الحر والحرير والخمر والمعازف»“. أ.هــ
الطامة الثالثة:
في الوقت الذي نتعلم فيه من مشايخنا الأجلاء أنّ شد الرحال لا يكون إلاّ لثلاث مساجد كما أمرنا بذلك الرسول صلى الله عليه وسلم، إذا بنا نفاجئ برجل ممن يشار إليه بالبنان يقيم مخيما في ضريح من الأضرحة ويذبح هناك الذبائح ويدرس في النّاس وتنتقل إليه وسائل الإعلام ـ المرئية ـ المسموعة ـ المقروءة ـ.. فينقلون هذه الصورة عبر قنواتهم إلى الأمة كلها.
والعجيب في هذا الأمر أنّك لو استوقفت أحد هؤلاء الدعاة ممّن يقيمون هذه المخيمات يقول: “نحن نأتي هنا كل عام لنلتقي بإخواننا الذين أتو من كل مكان لنشارك في هذه الاحتفالية العظيمة ونحن لا نطوف حول الضريح.. والذبائح التي نذبحها ليس لصاحب الضريح بل لإطعام الفقراء والمساكين”.
هذه الطوام التي ألقيت عليها الضوء قليل من ركــام كثير فهناك من الطوام الكثير والكثير .. لذا فإنّني أقول: إنّ أمر الفتاوى والأحاديث الدينية في وسائل الإعلام والتي تصل إلى كل ديار المسلمين أمر جلل خطير ـ لا ينبغي بحال أن يترك دون إشراف مباشر من مشايخنا الأجلاء وإلاّ فالأمة في خــطر، والخطر هنا لا ينحصر في بلدة معينة بل في أرجاء الدنيا كلها عبر الفضائيات والشبكة العنكبوتية.
ولا شك ولا ريب أنّ المتابعين لهذه الفضائيات في شتى الأصقاع تختلف درجاتهم العلمية، فنخشى على من لم يؤتى البصيرة من دينه أن ينجرف في تيار هذه الفتاوى التي تخرج من دعاة لا يرقبون في المؤمنين إلا ولا ذمة.
لأجل هذا فإنّني أتوجه بنداء لرواد الإعلام الديني أن يتقو الله في المسلمين وأن يشكلو لقنواتهم لجنة علمية منتقاة من كبار مشايخنا الأجلاء ـ وأن لا يفتحوا أمر الفتاوى على مصراعيه، بل تـنـتـقي اللجنة العلمية علماء لهذا الأمر متخصصون في هذا المجال.. فكما لا يخفاكم ليس كل من صعد المنبر ليخطب في النّاس أو دخل المحراب ليؤم المسلمين يصلح أن يفتي.. فالفتوى توقيع عن رب العالمين.
ملاحظة : بخصوص ما ذكرته آنفا أنّه ينبغي للقائمين على القنوات الفضائية أن يشكلو لجنة علمية لقنواتهم فلا يحسبن أحد من القراء أنّ هذا أمر ليس بواقع.. فقد يسر الله تعالى للمهندس وسام عبد الوارث رئيس مجلس إدارة قناة الحكمة منذ بداية القناة بتشكيل لجنة علمية مكونة من فضيلة الشيخ محمد حسان وفضيلة الشيخ محمد يعقوب ويرأس هذه اللجنة سماحة العلامة المحدث الشيخ أبي إسحاق الحويني
تم نشر المقالة في عدد من المواقع على الشبكة العنكبوتية
رابط المقالة على موقع طريق الاسلام
مثال: ثلاثة رجال أمامهم رجل فاسق.
قال أحدهم: أنا لا أسلم على هذا الفاسق وأهجره وأبتعد عنه ولا أكلمه.
والثاني يقول: أنا أمشي مع هذا الفاسق وأسلم عليه وأبش في وجهه وأدعوه عندي وأجيب دعوته وليس عندي إلا رجلاً صالحًا.
والثالث يقول: هذا الفاسق أكرهه لفسقه وأحبه لإيمانه ولا أهجره إلا حيث يكون الهجر سببًا لإصلاحه.
فإن لم يكن الهجر سببًا لإصلاحه بل كان سببًا لازدياده في فسقه فأنا لا أهجره.
فنقول: الأول: مفطر غالٍ، من الغلو.
والثاني: مفرط مقصر.
والثالث: متوسط.
وهكذا نقول في سائر العبادات ومعاملات الخلق الناس فيما بين: مقصر، وغالٍ، ومتوسط.
مثال: رجل كان أسيرًا لامرأته توجهه حيث شاءت لا يردها عن إثم ولا يحثها على فضيلة قد ملكت عقله وصارت هي القوَّامة عليه.
ورجل آخر عنده تعسف وتكبر وترفع على امرأته لا يبالي بها وكأنها عنده أقل من الخادم.
ورجل ثالث: وسط يعاملها كما أمر الله ورسوله: ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف
{البقرة: 228}.
والحديث الثابت في صحيح مسلم حيث قال النبي صلى الله عليه وسلم : “لا يفرك مؤمن مؤمنة إن كره منها خلقًا رضي منها آخر”.
فهذا الأخير: متوسط. والأول: غالٍ في معاملة زوجته. والثاني: مقصر.
وقس على هذه بقية الأعمال والعبادات.
الإسلام وسط بين اليهودية والنصرانية
فيما يتعلق بالأعمال:
قال العلامة ابن جبرين: المثال الأول: فاليهود يرون الطلاق ولا يرون الرجعة، فلو طُلقت الزوجة فلا رجعة عليها لزوجها.
أما النصارى: فيرون أن لا طلاق، فمتى عقد الإنسان فلا طلاق له، ولا يحق له الطلاق.
وجاء الإسلام فتوسط: وجعل للإنسان أن يطلق للحاجة متى شاء، وأن يراجع بعد الطلقة الأولى، وبعد الثانية، فقد يتعجل الإنسان في أمر لا بد فيه من الأناة فيستدرك ذلك بعد حين.
المثال الثاني: اليهود يرون القصاص في القتل حتمًا وليس هناك مجال للعفو، بينما يرى النصارى العفو حتمًا.
فجاء الإسلام بالتخيير: وذلك بتخيير ولي المقتول بين القصاص وبين العفو وأخذ الدية أو العفو مطلقًا فصار بذلك متوسطًا، لا إلزام بالعفو، ولا إلزام بالقصاص، بل توسط بينهما.
المثال الثالث: كذلك جاء الإسلام أيضًا في أحكام المجازاة ونحوها، فقد أباح الله سبحانه وتعالى المجازاة على الأعمال بمثلها، كما في قوله تعالى: وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به ولئن صبرتم لهو خير للصابرين
{النحل: 126}.
كما أباح للإنسان أن يعاقب من يعتدي عليه بالمثل في قوله تعالى: فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم
{البقرة: 194}.
أي بالمثل فقط لا بالزيادة، ولكن فضل الصبر لقوله: ولئن صبرتم لهو خير للصابرين
.
لكن دين النصارى يأمرهم بأن يعفو وأن لا ينتصروا ولا ينتقموا لأنفسهم أبدًا.
ودين اليهود: يحتم عليه بأن يستوفي وأن يقتص.
فالإسلام: جاء بهذا الدين الذي لا إفراط فيه ولا تفريط. اه.
وترى الإسلام وسطًا في نظامه الاقتصادي بين الرأسمالية والشيوعية وكذلك في النظام الاجتماعي بين الطرفين السالفين المشار إليهما، ووسط في نظامه السياسي بين الديمقراطية والديكتاتورية فهو وسط في كل شيء، فأحمد الذي منَّ علينا بالإسلام، ونسأله بأسمائه الحسنى وصفاته العلى أن يقبضنا عليه ويجعلنا من العاملين به الداعين إليه على بصيرة بالحكمة والموعظة الحسنة.
وصلِّ اللهم وسلم وبارك على رسولنا محمد وآله وصحبه أجمعين، والحمد لله رب العالمين.
]]>